بعد التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، يمكن الجزم بأنّ أهم مكسب حققه اجتماع شرم الشيخ يوم 13 أكتوبر 2025 هو إنهاء مشروع نتنياهو للتهجير القسري للشعب الفلسطيني من قطاع غزة نحو سيناء والأردن. وهو المشروع الذي كان سيشكل النكبة الثانية بعد نكبة 1948، التي كانت شاهدة على تراجيديا اقتلاع الشعب الفلسطيني من أراضيه التاريخية، عبر سلسلة من المجازر مثل “دير ياسين” و”كفر قاسم”، وغيرها كثير من الجرائم التي ارتكبتها عصابات “الهاﮔانا”. ومن رحم هذه الأخيرة وُلد جيش الكيان الغاصب ليواصل جرائم التطهير العرقي في فلسطين إلى يومنا هذا، تحت سمع وبصر المجتمع الدولي العاجز حتى عن استصدار مجرد قرار بوقف إطلاق النار.
لذلك يعتبر إفشال التهجير من غزة في حدّ ذاته انتصاراً دبلوماسيا كبيراً، طبعا إلى جانب وقف جريمة الإبادة الجماعية للمدنيين والتي أزهقت أرواح ما لا يقل عن 67 ألف فلسطيني في القطاع أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ، وهي جرائم يصنفها القانون الدولي ضمن جرائم الحرب. وما كانت هذه النتيجة لتتحقق على الأرض لولا الصمود الأسطوري والبطولي للشعب الفلسطيني في غزة أمام آلة الدمار الوحشية التي جندها الكيان العبري لتركيع قطاع غزة. مستعملاً في ذلك آخر ما توصلت إليه تكنولوجيا الحرب في مختبرات ومصانع أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول الراعية للمشروع الهمجي على أرض فلسطين منذ وعد بلفور إلى معركة الطوفان التي فلبت موازين القوة.
وإذا كانت هناك من عبرة يجب استخلاصها مما وقع خلال السنتين التي استغرقهما العدوان الغاشم وغير المتكافئ الذي شنه الاحتلال ضد قطاع غزة المحاصر، فهي أن الحقوق تنتزع ولا تمنح، وأنّ الطريق الوحيدة للتحرر من نير الاحتلال تمرّ إجباراً عبر المقاومة، وهي طريق مفروشة بدماء وأشلاء الشهداء، وهذا ما تشهد به المسيرة الطويلة من كفاح الشعب الفلسطيني وكل المنعطفات التي مرت منها القضية الفلسطينية خلال ما يزيد عن مائة عام من المواجهات مع الاحتلال البريطاني، ومن بعده مع الكيان الاستيطاني الذي تدعمه كل الدول الغربية مع استثناءات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
ولأولئك الذين شككوا ولازالوا يشككون في دور المقاومة، عليهم أن يراجعوا ما وقع مع بعض الدول الصغيرة في الشرق الأوسط والتي أرادت أن تضمن لنفسها مكانا أكبر من حجمها في الساحة الدولية من خلال احتضان أكبر قاعدة للجيش الأمريكي الداعم للاحتلال، ومن خلال استقبال جنرالات الموساد للمشاركة فيما سمي زوراً بالمفاوضات. ولكن سرعان ما أُسقط بأيديها، حين قرر جيش الاحتلال تنفيذ هجمات عسكرية على عاصمة “الجزيرة”، ويثبت أنها وأمثالها غير قادرين حتى على حماية ضيوفهم أو حماية أنفسهم ومجالهم الجوي رغم وجود مظلة العم سام في قاعدة العيديد.
لقد أثبتت تلك الضربات الخاطفة للدولة المارقة والمعربدة في الشرق الأوسط أن دور الوساطة في عملية السلام هو أكبر من استضافة وفود في فندق خمسة نجوم، وامتلاك قناة فضائية كانت السباقة للتطبيع الإعلامي مع العدو، من خلال استضافة جنرالاته على الهواء مباشرة منذ نشأة القناة المعلومة سنة 1996، ومن خلال الترويج لاسم الكيان على الخارطة بدل اسم فلسطين، وهو ما لم تسبقهم إليه أي وسيلة إعلامية عربية.
إنّ الدرس المستفاد من هذه الواقعة هو أنّ الوساطة بحدّ ذاتها تتطلب عُمقا استراتيجيا وثقلا سياسيا لفرض الاحترام على باقي الأطراف، وتوفير الحماية لهم وتقديم ضمانات أمنية وسياسية، وامتلاك سيادة عسكرية برأ وجوّاً وبحراً، وليست مجرد استعراض إعلامي لتلميع الصورة لدولة قدمت ألف مليار دولار للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كصفقات هدية له خلال زيارته الأخيرة منذ حوالي أربعة شهور فقط، في عز الحرب على غزة التي شاركت فيها القوات الأمريكية الخاصة “دلتا فورس”، حسبما كشفته “نيويورك تايمز” في قضية آرون بوشنل. بالإضافة إلى الدعم اللوجستي من قاعدة العيديد، ورغم ذلك كله لم تجن دولة “الوساطة والقناة الفضائية” حتى حماية جوية لأراضيها من قبل العم سام ضد هجمات ابنته المدللة..
الخلاصة الأهم وسط هذا الكم من الأحداث هي تحقيق المقاومة الفلسطينية لأعظم معجزة من خلال عملية الطوفان، وهي القدرة على التعمية الأمنية والاستخباراتية على العملية قبل تنفيذها، ثمّ القدرة على إخفاء الأسرى داخل القطاع طيلة سنتين وفي مساحة لا تتجاوز 360 كلم2، بينما كانت كل أجهزة الاستخبارات الأوربية والأمريكية وربما من دول أخرى كثيرة تتعقب أثرهم بكل ما أوتيت من قوة التكنولوجيات الحديثة بأقمارها الصناعية وذكائها الاصطناعي وجيوش عملائها في الميدان.
أليست هذه معجزةً حقيقية؟ كيف لا وقد تمكنت المقاومة، بإمكانات شبه منعدمة وسط الحصار المطبق منذ حوالي 20 سنة، من إنجاز بهذا الحجم في الوقت الذي وصلت فيه المخابرات العِبرية وحليفاتها في حلف “الناتو” إلى تحديد مكان تواجد كبار الجنرالات الإيرانيين من قادة الجيش والحرس الثوري والاستعلامات، وتمّ اغتيالهم في غرف نومهم وفي ليلة واحدة إلى جانب علماء الذرة المشرفين على المشروع النووي الإيراني خلال شهر يوينو 2025.
وقبل ذلك في شتنبر 2024 استطاعت الدولة العبرية تحديد توقيت ومكان اجتماع زعيم حزب الله اللبناني وكل قيادات الصف الأول، وتنفيذ هجمات جوية تمكنت من استئصالهم. إلى جانب عملية استخباراتية أكثر تعقيداً من هذه وتلك، وهي تفخيخ أجهزة “البيجر” أو “الرّقاص” كما كنا نسميه في المغرب في التسعينيات، قبيل انتشار الهاتف النقال.
إنّ هذه الاحداث لوحدها كفيلة للبرهنة على المعجزة التي حققتها المقاومة في غزة، من خلال مناعتها الأمنية واستعصاء جسمها على الاختراق من طرف العدو، رغم صغر حجم القطاع الذي يشكل أقل من جزء من خمسة آلاف جزء من مساحة إيران.. إنها حقا معجزة طوفان المقاومة الفلسطينية، وأكيد أنها قد فتحت الطريق لاستقلال فلسطين الذي مهدت له قوافل الشهداء جيلاً بعد جيل!
