قالت عدد من المصادر الإعلامية في فرنساـ أن السلطات اعتقلت أكثر من 6600 شخص، غالبيتهم من القاصرين، خلال الاحتجاجات التي عرفتها فرنسا خلال الأيام الأخير، وخلفت مئات الجرحى، بينهم مراهق في الخامسة عشرة من عمره فقد يده إثر انفجار قنبلة خلال هذه الاحتجاجات.
أرقام تطرح سؤالا مشروعا، هل ما زلنا أمام مجرد عمليات لـ«حفظ النظام»، أم أن التعامل مع العنف الاحتجاجي يختلف في الخطاب الإعلامي والسياسي بحسب المكان؟
على مدى أسابيع، خرج طلاب المدارس الثانوية في فرنسا للمطالبة بمزيد من المدرسين، والحد من الاكتظاظ داخل الفصول الدراسية وتحسين ظروف المؤسسات التعليمية، غير أن هذه الاحتجاجات تحولت في عدد من المناطق، إلى مواجهات مع قوات الأمن، تخللتها استخدامات للغاز المسيل للدموع وقنابل صوتية، إلى جانب توقيفات واسعة.
وبحسب ما أوردته وكالة أسوشيتد برس، تجاوز عدد الموقوفين 6600 شخص، معظمهم دون سن الثامنة عشرة، وفي مدينة لانس، فقد مراهق يبلغ 15 عاما يده إثر انفجار قنبلة صوتية، فيما أصيب مراهق آخر، يبلغ 14 عاما، بجروح خطيرة في الوجه. كما فتحت السلطات تحقيقات في عدد من تدخلات الشرطة.
هذه الوقائع تضع فرنسا أمام اختبار يتعلق بكيفية التعامل مع احتجاجات القاصرين، وبمدى تناسب استخدام القوة مع طبيعة الاحتجاجات والمخاطر التي ترافقها.
لكن السؤال لا يتعلق فقط بما حدث في الشارع، بل أيضا باللغة التي تستخدم لوصفه.
فعندما يتعلق الأمر بتدخلات الشرطة الفرنسية، تتكرر عبارات من قبيل «حفظ النظام» و«التوترات» و«الحوادث»، وفي المقابل، كثيرا ما تستخدم بعض وسائل الإعلام الفرنسية عبارات أكثر حدة عند تناول أحداث احتجاجية في دول أخرى، من بينها المغرب، حيث تحضر مفردات مثل «القمع» و«العنف» و«التضييق» بصورة أكثر وضوحا.
فخلال احتجاجات 20 فبراير 2011، خرج آلاف المغاربة في عدد من المدن للمطالبة بإصلاحات سياسية، وأشارت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقرير لها آنذاك إلى أن مظاهرات عديدة جرت في معظمها دون تدخل من الشرطة، مع تسجيل حضور أمني محدود في بعض المواقع، ولا سيما في الرباط.
وفي سياق مختلف، شهدت مدينة الفنيدق في سبتمبر 2024 محاولة جماعية لعبور الحدود نحو سبتة، وسط توتر كبير ومواجهات ورشق بالحجارة ضد قوات الأمن. وتمكنت السلطات من احتواء الوضع، فيما لم تسجل وفيات خلال تلك الأحداث، بينما أكدت الحكومة المغربية أن تدخل القوات الأمنية جرى في إطار القانون.
لا يعني استحضار هذه الوقائع أن التجربتين الفرنسية والمغربية متطابقتان، فالسياقات مختلفة، كما أن طبيعة الاحتجاجات والتهديدات الأمنية ليست واحدة، لكنه يطرح سؤالا أوسع حول معايير تقييم استخدام القوة الأمنية، وحول ما إذا كانت اللغة الإعلامية والسياسية تطبق بالصرامة نفسها على مختلف الدول.
فالاحتراف الأمني لا يقاس فقط بعدد القوات أو الوسائل المستخدمة، وإنما أيضا بالقدرة على احتواء الاحتجاجات وحماية المشاركين، ولا سيما القاصرين، واللجوء إلى القوة بالقدر الضروري والمتناسب مع المخاطر.
وإذا كانت باريس تحرص على تقديم نفسها كمدافع عن حقوق الإنسان ودولة القانون، فإن الاحتجاجات الأخيرة تمنحها مناسبة لإظهار هذه المبادئ على أرض الواقع، من خلال ضمان الشفافية في التحقيقات ومساءلة أي تجاوزات محتملة، وحماية الحق في التظاهر السلمي.

