أصبحت كلفة العلاج داخل عدد من المصحات الخاصة بمدينة طنجة مصدر استياء متزايد لدى العديد من المواطنين، الذين يجدون أنفسهم أمام فواتير باهظة تثقل كاهلهم، رغم استفادة بعضهم من التغطية الصحية.
وبين الأسعار التي تُطبق على أرض الواقع والتعويضات التي يتم احتسابها وفق ما يُعرف بـ«التعريفة الوطنية المرجعية»، تتسع الفجوة التي يؤدي ثمنها المريض من جيبه، وسط تساؤلات متزايدة حول شفافية الفوترة، وحدود الأسعار المعتمدة، ومدى المراقبة التي تخضع لها المؤسسات الصحية الخاصة.
وتكمن المفارقة في أن المريض يلج المصحة وهو يعتقد أن توفره على التأمين الصحي سيخفف عنه جزءاً مهماً من تكاليف العلاج، قبل أن يكتشف، في نهاية المطاف، أن قيمة التعويض لا توازي بالضرورة المبالغ التي دفعها فعلياً.
فالتعويضات تُحتسب انطلاقاً من التعريفة الوطنية المرجعية، في حين قد تكون الفاتورة النهائية للعلاج أو التدخل الطبي أعلى بكثير، ليجد المريض نفسه مضطراً إلى تحمل فارق مالي قد يكون كبيراً.
ويزداد الوضع تعقيداً عندما لا يحصل المريض، قبل الشروع في العلاج أو إجراء التدخل الطبي، على صورة واضحة ومفصلة بشأن التكلفة الإجمالية، وما ستتحمله جهة التأمين، والمبلغ الذي سيبقى على عاتقه. لتتحول لحظة مغادرة المصحة، في بعض الحالات، إلى مواجهة مع فاتورة تتضمن أرقاماً لم تكن في الحسبان.
ولم يعد الحديث عن إشكالات قطاع المصحات الخاصة مجرد انطباعات أو شكايات معزولة، إذ سبق لمجلس المنافسة أن توقف عند عدد من الاختلالات المرتبطة بالتعريفة الوطنية المرجعية وممارسات الفوترة داخل سوق المصحات الخاصة، مسجلاً إمكانية وجود ممارسات من قبيل عدم التقيد بالتعريفة أو استخلاص أتعاب إضافية، إلى جانب الدعوة إلى مواجهة تضخيم الفواتير.
كما أثار المجلس الوطني لحقوق الإنسان بدوره إشكالات مرتبطة بأداء مبالغ خارج الفواتير، أو ما يعرف بـ«النوار»، فضلاً عن استمرار الجدل بشأن ما يسمى بـ«شيكات الضمان».
وهي معطيات تجعل من سؤال المراقبة بمدينة طنجة سؤالاً مشروعاً وملحاً: كم عدد المصحات التي خضعت لعمليات تفتيش ومراقبة؟ وما النتائج التي أسفرت عنها هذه العمليات؟ وما هي الإجراءات التي يتم اتخاذها عندما يشتكي مريض من فاتورة يعتبرها مبالغاً فيها؟
غير أن الإشكال لا يرتبط فقط بالمؤسسات الصحية الخاصة، بل يمتد أيضاً إلى التعريفة الوطنية المرجعية نفسها، التي لم تعرف، حسب ما يتم تداوله في هذا الملف، تحييناً جوهرياً منذ سنة 2006، رغم التحولات الكبيرة التي شهدها القطاع الصحي، وارتفاع تكاليف العلاج والتجهيز والتسيير.
وهنا تبرز مسؤولية السلطات الوصية، إذ يصعب مطالبة المواطن بتحمل فارق متزايد بين أسعار الخدمات الصحية وتعويضات تستند إلى مرجعية متقادمة، دون العمل على مراجعة هذه التعريفة بما يواكب الواقع الحالي.
فإذا كانت التعريفة الوطنية المرجعية لم تعد تعكس التكلفة الحقيقية للعلاج، فلماذا لم يتم تحيينها؟ وإذا كانت لا تزال مرجعاً معتمداً، فأين ينعكس أثرها في حماية القدرة الشرائية للمواطن وضمان حقه في الولوج إلى العلاج؟
وفي مدينة طنجة، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في الاستثمار في القطاع الصحي الخاص وظهور مؤسسات علاجية جديدة، فإن هذا التطور يفترض أن يواكبه تعزيز آليات المراقبة والشفافية وحماية حقوق المرضى.
فالاستثمار في مجال الصحة يظل أمراً ضرورياً، والقطاع الخاص يعد شريكاً أساسياً في المنظومة الصحية، غير أن ذلك لا ينبغي أن يحول المريض إلى مجرد رقم داخل فاتورة.
من حق المواطن أن يعرف، قبل تلقي العلاج كلما كان ذلك ممكناً، تكلفة الخدمة التي سيستفيد منها، وأن يحصل على فاتورة واضحة ومفصلة، وأن يكون على بينة بما ستتحمله جهة التأمين وما سيؤديه من ماله الخاص، بدل أن يجد نفسه أمام حساب مفتوح لا تتضح تفاصيله إلا عند مغادرة المؤسسة الصحية.
المطلوب اليوم بمدينة طنجة ليس شن حملة ضد المصحات الخاصة، بل إرساء مراقبة حقيقية ومنتظمة تحمي المؤسسات الجادة كما تحمي المرضى، من خلال تعزيز الشفافية في الأسعار، والتدقيق في الفواتير، ومراقبة أي ممارسات قد تتم خارج المساطر القانونية، إلى جانب الإسراع في مراجعة وتحيين التعريفة الوطنية المرجعية.
فاستمرار الوضع بين أسعار علاج مرتفعة، وتعريفة مرجعية متقادمة، وتعويضات لا تغطي سوى جزء محدود من التكاليف، يجعل المريض الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من يحمي المواطن عندما يصبح المرض مكلفاً، والعلاج الخاص فوق قدرته، والتغطية الصحية عاجزة عن تغطية جزء معتبر مما دفعه؟



