في تقرير نشرته منصة،Atalayar، أكدت فيه، أن مواجهة الإرهاب في العصر الحديث، لم تعد تقتصر على إحباط الهجمات بعد اكتمال التخطيط لها، بل أصبحت ترتكز على منع تشكل التهديد منذ مراحله الأولى.
هذا التحول الذي فرضته التطورات الأمنية العالمية، خاصة بعد هجمات 11 شتنبر 2001، أعاد صياغة العقائد الاستخباراتية في عدد من الدول، وجعل من العمل الاستباقي حجر الزاوية في استراتيجيات مكافحة الإرهاب.
ويبرز المغرب، حسب ما أوردته المنصة، ضمن الدول التي تبنت هذا التحول بشكل تدريجي، معتمدا مقاربة تقوم على الرصد المبكر، وتحليل المؤشرات الأولية، وتفكيك الشبكات قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ. وقد ساهم هذا النهج في ترسيخ نموذج أمني يجمع بين العمل الاستخباراتي والتدخل القضائي والعملياتي، في إطار رؤية متكاملة لإدارة التهديدات الإرهابية.
من رد الفعل إلى الاستباق
أكد المصدر، أن تفجيرات الدار البيضاء في 16 ماي 2003، شكلت محطة مفصلية في السياسة الأمنية المغربية، بعدما كشفت حدود المقاربة التقليدية القائمة على التعامل مع الإرهاب بعد وقوعه. ومنذ ذلك الحين، شرعت المملكة في مراجعة منظومتها القانونية والمؤسساتية، من خلال إصدار قانون مكافحة الإرهاب، وتعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية والقضائية.
وجاء إحداث المكتب المركزي للأبحاث القضائية سنة 2015 ليمنح هذه المقاربة بعدا أكثر تكاملا، إذ أصبح الربط بين المعلومات الاستخباراتية والتحقيقات الجنائية يشكل أساسا لتفكيك الخلايا الإرهابية في مراحلها الأولى، قبل انتقالها إلى التنفيذ.
وخلال السنوات الأخيرة، تمكنت الأجهزة الأمنية من تفكيك عشرات الخلايا وإيقاف المئات من المشتبه في ارتباطهم بتنظيمات متطرفة، وهو ما يعكس اعتماداً متزايداً على الاستخبارات الاستباقية أكثر من الاعتماد على التدخل بعد وقوع العمليات.
تطور طبيعة التهديد
تكشف العمليات الأمنية الأخيرة أن التهديد الإرهابي لم يعد يقتصر على أفراد متطرفين يتحركون بشكل منفرد، بل أصبح يعتمد على شبكات مترابطة تتوزع أدوارها بين القيادة والتمويل والتجنيد والدعم اللوجستي والتنفيذ.
وأظهرت التحقيقات في عدد من القضايا وجود ارتباطات مباشرة بين خلايا تنشط داخل المغرب وعناصر قيادية تابعة لتنظيم “داعش” بمنطقة الساحل، مع تلقي توجيهات عملياتية ودعم لوجستي، وهو ما يعكس انتقال التنظيمات الإرهابية نحو نماذج أكثر تنظيماً ومرونة.
كما كشفت المحجوزات المضبوطة خلال عمليات التفكيك، والتي شملت مواد أولية لصناعة المتفجرات، ومكونات إلكترونية، ووثائق تقنية، ووسائل لوجستية مختلفة، عن مستوى متقدم من الإعداد، بما يؤكد أن الأجهزة الأمنية تدخلت قبل وصول تلك المشاريع الإرهابية إلى مرحلة التنفيذ.
الساحل.. مركز الثقل الجديد
تشير المعطيات المتوفرة إلى أن منطقة الساحل أصبحت تمثل اليوم مركزا رئيسيا لإعادة تنظيم الجماعات المتشددة، ليس فقط باعتبارها فضاء لنشاطها العسكري، وإنما أيضاً باعتبارها قاعدة خلفية للقيادة والإمداد والتمويل.
وفي هذا السياق، لم تعد الحدود الجغرافية تشكل عائقاً أمام التنظيمات الإرهابية، التي باتت تعتمد شبكات تمتد عبر عدة دول، وتتوزع فيها الوظائف بين مناطق مختلفة، بينما يتم تنفيذ العمليات في أماكن أخرى.
وتبرز العمليات المشتركة التي نفذها المغرب مع شركائه، خاصة مع الأجهزة الأمنية الإسبانية، أهمية التعاون الدولي في مواجهة هذا النمط الجديد من الإرهاب، الذي يعتمد على التمويل العابر للحدود، والاتصالات الرقمية، وشبكات الدعم اللوجستي الدولية.
الاستخبارات التفسيرية.. قراءة ما وراء المعطيات
لم تعد فعالية الأجهزة الاستخباراتية تقاس بعدد الاعتقالات أو الخلايا المفككة فقط، بل بقدرتها على تفسير المؤشرات الضعيفة وربط المعلومات المتفرقة ببعضها البعض، بما يسمح بإعادة بناء صورة متكاملة للتهديد قبل تحوله إلى مشروع إرهابي.
وتقوم هذه المقاربة على دمج مصادر متعددة للمعلومات، تشمل الاستخبارات البشرية، والمعطيات التقنية، والاستخبارات المالية، وتحليل البيانات الرقمية، بما يتيح كشف الروابط الخفية بين الأشخاص والموارد ومسارات التمويل والقيادة.
وفي ظل التدفق الكبير للمعلومات، أصبحت أدوات تحليل البيانات والخوارزميات تلعب دوراً مساعداً في فرز المعطيات وتحديد أولوياتها، دون أن تلغي الدور المحوري للمحلل الاستخباراتي في تفسيرها وربطها بالسياق الأمني.
الإرهاب الشبكي يفرض مقاربات جديدة
أفرزت التحولات الإقليمية نموذجاً جديداً يمكن وصفه بـ”الإرهاب الشبكي”، حيث تتوزع الوظائف الأساسية للتنظيم بين عدة مناطق جغرافية، فتظل القيادة في منطقة، والتمويل في أخرى، والدعم اللوجستي في دولة ثالثة، بينما يجري التنفيذ داخل دولة مختلفة.
هذا النمط يجعل تفكيك العناصر المنفذة وحده غير كاف، إذ تصبح الأولوية بالنسبة للأجهزة الأمنية هي استهداف البنية الكاملة للشبكة، وتعطيل قنوات الاتصال والإمداد والتمويل التي تمنحها القدرة على الاستمرار.
وفي هذا الإطار، تبدو منطقة الساحل اليوم أحد أبرز التحديات الأمنية بالنسبة لشمال إفريقيا وأوروبا، بالنظر إلى ما تشهده من نشاط متزايد للتنظيمات المتشددة، واستغلالها للفراغات الأمنية والحدود المفتوحة لبناء شبكات عابرة للدول.
نموذج مغربي يتجه نحو التوقع الاستراتيجي
توضح التجربة المغربية أن التحول من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق لم يعد مجرد خيار أمني، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة التهديدات المعاصرة. فنجاح أي استراتيجية لمكافحة الإرهاب لم يعد يقاس بسرعة التدخل بعد وقوع الهجوم، وإنما بقدرتها على اكتشاف المشروع الإرهابي وهو لا يزال في طور التشكل.
ومن خلال الاستثمار في تطوير قدرات أجهزته الاستخباراتية، وتعزيز التعاون الدولي، والاعتماد على التحليل المتقدم للمعلومات، استطاع المغرب ترسيخ نموذج يقوم على استباق المخاطر بدلاً من انتظار وقوعها، وهو نموذج ينسجم مع التحولات التي يشهدها الإرهاب العابر للحدود، ويعزز مكانة المملكة كشريك أمني فاعل في محيطها الإقليمي والدولي.
وبالنظر إلى استمرار هشاشة الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل، فإن الرهان خلال السنوات المقبلة لن يقتصر على ملاحقة الخلايا الإرهابية، بل سيتعلق أساسا بتطوير أدوات التنبؤ، وتعزيز القدرة على فهم ديناميات الشبكات المتطرفة قبل أن تتحول إلى تهديدات فعلية، في معركة بات فيها الزمن والمعلومة عنصرين حاسمين في حماية الأمن والاستقرار.




