كشف تقرير حديث نشرته شبكة RANE، المتخصصة في تحليل المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، أن الجزائر، رغم استفادتها النسبية من ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، لا تمتلك القدرة الكافية للتحول إلى منقذ حقيقي للطاقة بالنسبة لأوروبا.
وأوضح التقرير أن مجموعة من القيود الهيكلية والتقنية والاقتصادية تحد بشكل كبير من قدرة الجزائر على رفع صادراتها من الغاز نحو الأسواق الأوروبية بشكل سريع وفعال، في وقت تسعى فيه عدة دول أوروبية إلى البحث عن بدائل لتأمين احتياجاتها الطاقية.
وأشار المصدر ذاته إلى أن كلا من إسبانيا وإيطاليا كثفتا خلال الأشهر الأخيرة اتصالاتهما الدبلوماسية مع الجزائر بهدف الحصول على كميات إضافية من الغاز، في ظل اضطرابات أسواق الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط وتراجع بعض الإمدادات القادمة من الخليج، خصوصا من قطر.
وأكد التقرير أن شركة سوناطراك، المملوكة للدولة الجزائرية، لا تزال مرتبطة بعقود طويلة الأمد، ما يحد من قدرتها على إعادة توجيه كميات إضافية من الغاز بسرعة نحو أوروبا.
ومن بين أبرز التحديات التي تواجه الجزائر، بحسب التقرير، الارتفاع المتواصل للطلب المحلي على الطاقة، إذ ينمو الاستهلاك الداخلي بنسبة تتراوح بين 3 و4 في المائة سنوياً، بفعل النمو السكاني وارتفاع درجات الحرارة وتوسع الأنشطة الصناعية، ما يؤدي إلى تقلص تدريجي للكميات المتاحة للتصدير.
كما لفت التقرير إلى استمرار الصعوبات التقنية المرتبطة بمنشآت تسييل الغاز الطبيعي، التي تخضع منذ سنوات لأعمال صيانة وتحديث، الأمر الذي تسبب في تراجع مستويات الإنتاج مقارنة بالأرقام القياسية المسجلة سنة 2023.
وبحسب الوثيقة، تبلغ الطاقة الإجمالية لتسييل الغاز في الجزائر نحو 25.3 مليون طن سنويا، غير أن الإنتاج الفعلي يبقى دون هذه القدرة القصوى بسبب القيود التشغيلية الحالية.
وسلط التقرير الضوء أيضا على التراجع الطبيعي في إنتاج عدد من الحقول الغازية التاريخية، وعلى رأسها حقل حاسي الرمل، ما يفرض على الجزائر استثمارات إضافية للحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية بدل زيادتها.
وفي هذا الإطار، تعمل الجزائر على تطوير ثلاث محطات ضغط جديدة بحاسي الرمل، يرتقب دخولها الخدمة بين نهاية 2026 ومنتصف 2027، إلى جانب مشروع “الأرار المرحلة الثالثة”، الذي يستهدف الحفاظ على إنتاج يومي يناهز 10 ملايين متر مكعب.
ورغم هذه المشاريع، يرى التقرير أن تأثيرها سيظل محدودا على المدى القصير، في وقت تبحث فيه أوروبا عن حلول عاجلة لأزمة الإمدادات المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية الحالية.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن الجزائر تستفيد جزئيا من ارتفاع أسعار النفط العالمية، التي تجاوزت أحياناً 126 دولاراً للبرميل، وهو ما يمنح الدولة هامشاً ماليا إضافيا، غير أن هذا التحسن يبقى نسبيا، بالنظر إلى أن الجزائر تحتاج إلى أسعار تفوق 120 دولاراً للبرميل لتحقيق توازن ميزانيتها العامة.
وختم التقرير بالتحذير من أن الاعتماد المتزايد على عائدات المحروقات قد يعرقل جهود التنويع الاقتصادي ويؤخر الإصلاحات الهيكلية الضرورية، في ظل استمرار معوقات الاستثمار، من بينها قاعدة “51/49” والبيروقراطية وتعقيدات مناخ الأعمال، ما يضعف جاذبية السوق الجزائرية مقارنة بوجهات طاقية منافسة أخرى.
