حينما يتعرض الوطن لتهديد مباشر، فإن منطق المراتب العلمية والمعايير الأخلاقية المجردة لا يختفي، لكنه يتراجع وظيفيا لصالح منطق آخر أعمق في البناء النفسي والاجتماعي للإنسان، وهو منطق البقاء الجماعي. ففي هذه اللحظة، لا يعود الفرد يتصرف بوصفه أكاديميا، أو مثقفا، أو صاحب رأسمال رمزي، بل بوصفه عضوا في جماعة مهددة.
علم النفس الاجتماعي يفسر هذا التحول من خلال نظرية الهوية الإجتماعية (Tajfel & Turner): فعندما تكون الهوية الوطنية في وضع آمن، يسمح بتعدد الأدوار (عالم، مثقف، أخلاقي، ناقد). أما حين تستهدف الجماعة، فإن الهوية الوطنية تصبح الهوية المهيمنة، وتطغى على كل الهويات الفرعية. في هذا السياق، تعلق مؤقتا إعتبارات التفوق العلمي، والتهذيب الخطابي، وحتى بعض الضوابط الأخلاقية، لأن الأولوية القصوى تصبح الدفاع عن الوجود الرمزي والمادي للجماعة.
من الناحية النفسية، ما يحدث ليس قلة تربية ولا انحدارا أخلاقيا بالمعنى السطحي، بل هو إستجابة إنفعالية جماعية تسمى في الأدبيات بالإستنفار الدفاعي، هذه الاستجابة تفعل الجهاز الإنفعالي أكثر من الجهاز التحليلي، وتعيد ترتيب القيم: ما كان يُعد فضيلة (الهدوء، الموضوعية، التحفظ) قد يُنظر إليه لحظة الخطر على أنه تخاذل أو برود.
إجتماعيا، تُعاد صياغة معايير الشرعية: فالشرعية لا تُمنح لمن هو أكثر علما أو “دأكثر تهذيبا، بل لمن هو أكثر إلتزاما بالجماعة وأكثر إستعدادا للدفاع عنها. وهنا يظهر سوء الفهم الشائع، حيث يُفسَّر هذا السلوك الدفاعي على أنه إنحطاط أخلاقي، بينما هو في الحقيقة إنتقال من أخلاق الفرد إلى أخلاق الجماعة، ومن منطق القيم المجردة إلى منطق الضرورة.
غير أن الخطورة لا تكمن في هذا التحول نفسه، بل في إدامته خارج سياق التهديد. فعندما يستمر تعليق الأخلاق والعلم بعد زوال الخطر، يتحول الدفاع عن الوطن إلى ذريعة للفوضى الرمزية والعنف الخطابي. أما في لحظة التهديد، فإن هذا التعليق المؤقت ليس إنكارا للقيم، بل إعادة ترتيب أولوياتها.
و بالتالي، فإن الدفاع عن الوطن، في لحظات الخطر، لا يقاس بمدى الإلتزام بالتراتبية العلمية أو بالمعايير الأخلاقية الهادئة، بل بقدرة الفرد على الإصطفاف الوجودي مع جماعته. إنها لحظة تُستدعى فيها الغريزة الجماعية قبل العقل التحليلي، دون أن يعني ذلك نفي العقل أو القيم، وإنما وضعهما في الخلفية حتى يمر التهديد.
فؤاد يعقوبي
مختص في علم النفس الإجتماعي في السياق المغربي.
