في زيارة لم تكن مبرمجة، قادتني الصدفة رفقة صديق إلى أحد المستشفيات العمومية بمدينة مكناس، لكن ما رأيته هناك لم يكن عادياً، بل كان صادماً إلى حد جعل الكلمات تقف عاجزة أمام هول المشهد.
منذ الوهلة الأولى، يلفت إنتباهك الإكتظاظ الخانق. ممرات مكتظة بالمرضى وذويهم، أصوات متداخلة بين أنين وصراخ، ووجوه أنهكها الإنتظار. مشهد يوحي بأن هذا المرفق الصحي يعيش تحت ضغط يفوق طاقته بكثير، في ظل خصاص واضح في الموارد البشرية والإمكانات الأساسية.
وسط هذا الزحام، تتجلى مظاهر الخصاص بشكل مؤلم؛ أدوات بسيطة كالقلم تكاد تكون منعدمة، وكأننا لسنا داخل مؤسسة يفترض أن تقدم خدمات حيوية للمواطنين. أما ما زاد من حدة الصدمة، فهو الحالة التي تُنقل بها بعض الحالات المرضية، حيث تمت معاينة سرير لنقل المرضى لا يزال يحمل آثار دماء، في مشهد يطرح أكثر من علامة إستفهام حول شروط النظافة والسلامة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان من بين الصور التي يصعب إستيعابها، وجود شخص في حالة إضطراب عقلي جالس في زاوية من المكان، دون أي تدخل يُذكر أو مواكبة إنسانية تليق بوضعه. مشهد يلخص جزءاً من معاناة صامتة قد لا تجد من ينصت لها.
ما عاينته داخل هذا المستشفى لا يبعث على الإرتياح، بل يثير القلق والتساؤل: هل أصبح هذا الوضع أمراً عادياً في بعض مؤسساتنا الصحية؟ أم أن الإعتياد على الأزمات جعلنا نتقبل ما لا يجب تقبله؟
وأمام كل هذا، أجدني مضطراً للإعتذار، ليس لأنني أخطأت، بل لأنني لا أستطيع أن أصمت عمّا رأيته. أعتذر إن كانت كلماتي قاسية، لكنها صادقة، ونابعة من إحساس بالمسؤولية ورفضٍ للواقع الذي لا يليق بكرامة المواطن.
إنها ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل صرخة من أجل إعادة النظر في واقع القطاع الصحي، وتحسين ظروف الإستقبال والعلاج، وضمان كرامة المواطن قبل كل شيء. فالصحة ليست رفاهية، بل حق أساسي يستوجب العناية والإهتمام.

