مصطفى الطالب يكتب عن: “استعادة”.. لحن سينمائي جديد للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي

جورنال2419 نوفمبر 2022
جورنال24
الواجهةثقافة وفن
مخرج
فتح الأندلس
مصطفى الطالب ناقد سنمائي

كعادته أتحفنا المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي الذي يعتبر أول سينمائي فلسطيني عمل على إنجاز سينما داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بفيلمه الوثائقي “استعادة” (2021) الذي عرض هذا المساء في إطار الدورة 27 للمهرجان الدولي لسينما المؤلف بالرباط، أتحفنا على المستوى السينمائي وعلى مستوى المضمون الذي يتطرق للقضية الفلسطينية من خلال مدينة حيفا.

فيلم “استرداد” يوثق إذن لتاريخ حيفا (التي ينتسب إليها المخرج) المدينة الفلسطينية العريقة المطلة على البحر الأبيض المتوسط والضاربة في جذور التاريخ، قلب فلسطين بعد القدس، قلت يوثق لحيفا قبل الاحتلال البريطاني والاحتلال الصهيوني لفلسطين وبعدهما، وذلك من خلال شهادة حية لأحد أبناء حيفا “طاهر القليوبي” قبل وفاته (شهادة مسجلة) والذي هجر مع عائلته وباقي عائلات حيفا إلى غزة، وأيضا من خلال أرشيف الصور التي اعتمدها واشتغل عليها المخرج فنيا، من سنوات العشرينات إلى نهاية سنوات الأربعينيات، حيث زاوج المخرج بين الأسلوبين بطريقة سلسلة ودون رتابة سواء على مستوى السرد أو الإخراج، وربط بينهما بصوت الراوي (المخرج) الذي هو الاخر هجرت عائلته أيام جده إلى غزة ومخيماتها التي ترعرع فيها، في ظل ظروف القهر والمعاناة والعزلة والتشريد. ولسان حاله وهو طفل :”لماذا هجرنا من حيفا؟ متى العودة إليها؟”

كانت حيفا قبل الاحتلالين البريطاني والصهيوني مدينة جميلة ومتقدمة على جميع المستويات اجتماعيا (التعايش بين المسلمين والمسيحيين) واقتصاديا (بفضل بحرها المعطاء) وثقافيا (جرائدها ومجلاتها وكتبها وإذاعتها الثانية بعد مصر) وفنيا(مسارحها ودور سينماها الجميلة) وحتى رياضيا (كرة القدم والملاكمة والكشفية)، كانت الحياة اليومية بحيفا وكأنها لوحة فنية رسمت بألوان الحياة وعلى أنغام الصيف والشتاء، إلى أن جاء الاحتلال البريطاني الذي نهج سياسة الإهانة والتضييق على سكان الأرض الأصليين أبناء فلسطين وجاء بوعده المشؤوم وعد بلفور لتتغير حياة الحيفاويين والفلسطينيين وتبدأ المظاهرات والتجمعات ضد المحتل البريطاني الذي عمد إلى القمع والاعتقالات الوحشية.

ثم جاء الاحتلال الصهيوني الهمجي الذي دمر الشجر والحجر وقتل الإنسان والبنيان، والذي مهده له الاحتلال البريطاني الطريق من خلال الهجرة المكثفة إلى حيفا بالخصوص وبمده بالسلاح الذي ساهم في تقوية عصابات الهاجانا التي شرعت في قتل أهل حيفا وتدمير منازلهم وتهجيرهم.

ولعل أقوى لحظة في الشريط والتي أبكت الشاهد الطاهر القليوبي هي عندما ذهب أحد المبعوثين من أبناء حيفا الى بعض العواصم العربية لأجل الحصول على المساعادت المادية والأسلحة التي تقوي المقاومة الفلسطينية آنذاك، فيرجع خاوية الوفاض، ليتضح لأبناء فلسطين خيانة الدول العربية وبالتالي عزلتهم ووحدتهم في الميدان.

وأمام عدم توازن القوى إذا صح التعبير أو بالأصح أمام الخذلان والتخلي عن فلسطين، تم التقتيل تارة والتهجير تارة أخرى، فدمرت حيفا عروس البحر: جمالها ودفئها وعمرانها وخضرتها…فكانت الانتكاسة التي لازلت مستمرة إلى يومنا هذا.

انتكاسة جاثمة على أنفاسنا كما جثمت على أنفاس الطاهر القلباوي رحمة الله تعالى عليه والذي جف ريقه ولم يستطع إتمام كلامه عندما وصل إلى مرحلة قيام دولة الكيان الصهيوني وغصبه على الرحيل مع أهله.

لقد استطاع المخرج رشيد المشهرواي بحسه الفني وذكائه السينمائي المعهود عليه أن ينقلنا إلى تاريخ فلسطين عبر تاريخ حيفا ويوثق لذاكرة فلسطين التي يسعى العدو الصهيوني مسحها ومسخها بشتى الوساءل الدعائية والعسكرية إلى حد الكذب والافتراء وتزوير التاريخ والحقائق التاريخية التي تؤكد أن فلسطين للفلسطينيين سكان الأرض الأصليين والذين خذلهم جيرانهم العرب كما خذل إخوة يوسف أخوهم وأبوهم.

وقد كان للمؤثرات الصوتية دور كبير في جعل الأرشيف حيا او تنبعث منه الحياة الفلسطينية وتاريخ أهلها المخذولون، وقد امتزجت تلك المؤثرات بموسيقى عربية مصرية ودمشقية أحيانا نقلت روح المشاهد إلى مهد الحضارات الإنسانية وممر الأنبياء ومسرى الرسول (ص)، حيث رسخت الطابع العربي المسيحي-الاسلامي لحيفا بالخصوص وفلسطين عموما والتي لازال الاحتلال الصهيوني يسعى إلى تهويدها كاملة بشتى الطريق.

لقد قام المخرج والذي سبق وأن أخرج فيلما تحت عنوان “حيفا” (1996) والذي عرض بمهرجان “كان”، قام بعزف لحن شجي متميز لحن الحنين إلى الماضي مع الشوق إلى العودة، العودة إلى الديار كما يقال، عودة التحرير والاستقلال وطرد المحتل.

وفي الأخير، هل يعتبر فيلم “استعادة” الفلسطيني تصحيح رؤية أو ردا على الفيلم الإسرائيلي ORANGE PEOPLE (2013) لمخرجته حنا أزولاي حسفاري والذي تشارك به في هذه الدورة لمهرجان سينما المؤلف في خانة “سينما العالم”؟ فحيفا هي فضاء قصة الفيلم الذي يحكي مشاكل أسرة يهودية مغربية هاجرت في خمسينيات القرن الماضي إلى مدينة حيفا لتستوطنها (في إشارة إلى عائلة المخرجة)، كباقي الأسر اليهودية المغربية التي غررت بهم المنظمات الصهيونية ودفعتهم إلى الهجرة إلى فلسطين، بل وإلى تجنيد أبناءهم في الخدمة العسكرية كما وقع لمخرجة الفيلم، إن هم أرادو العيش بسلام.

لكن الواقع أثبت غير ذلك، فقد تم تهميش اليهود السيفارد (من المغرب والوطن العربي) على حساب اليهود الأشكناز (من أوروبا الشرقية خاصة)، لدرجة أن أصبحوا محطة سخرية في المجتمع وفي الأعمال السينمائية الإسرائيلية.
هو تساؤل مستوحى من تساؤل المخرج وشاهده: متى العودة؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة