آه، ذلك الشعار الشهير: “تازة قبل غزة”. يا لها من “عبقرية” في فنون التلاعب الخطابي! مزيج من الشعبوية والأنانية التنموية، مصاغ ببلاغة في حجم فيل داخل متجر خزف. لقد تطلّب الأمر جرأة غير عادية لتحويل بهلوانية إثنومركزي إلى ما يشبه “رؤية جيوسياسية عميقة”. عبارة صادمة صيغت لتستنهض العقول المُنهكة، لكنها في الواقع لا تفعل إلا أن تُفقر الفكر وتُقزّم الروح.
يا لها من “رؤية نفسية”! لعل فرويد كان سيُخصّص لها أطروحة بعنوان: “كبت الضمير الكوني لصالح نرجسية جغرافية ضيقة”.
منذ زمن، تعوّدنا على شعارات تحاول أن تحلّ محل الفكر. ألم نرَ شعار “العمل يحرّر” على بوابات معسكرات الاعتقال النازية؟ عبارة قصيرة، صارخة، كاذبة. واليوم، يعاد السيناريو: “تازة قبل غزة”. وكأنّ حبّ الوطن يجب أن يُبنى على أنقاض آلام الآخرين. وكأنّ التضامن يحتاج إلى جواز سفر وبطاقة وطنية!
تازة، تلك المدينة الهادئة المحاطة بالجبال والتاريخ، أُقحمت فجأة في لعبة شعارات بائسة، لتُرفع كراية وطنيةٍ قصيرة النظر، وانغلاقٍ استراتيجي على الذات. وكأن القلوب تُرسم لها حدود، وكأنّ الألم البشري يُقاس بمقدار الكيلومترات.
نعم، في الإعلام هناك ما يُسمى بـ”الموت بالكيلومتر”، وهو الميل إلى التعاطف أكثر مع المآسي القريبة. لكن الإنسانية الحقيقية لا تتبع الجغرافيا، ولا تُفرّق بين دموعٍ هنا ودموعٍ هناك.
إنّ من يتغنّون بهذا الشعار ينسون أنّ الأمم لا تُبنى باللامبالاة، بل بالتعاطف. فحتى حب الوطن، لا ينفصل عن حب العالم. ومن لا يستطيع أن يحزن من أجل الغريب، فلن يعرف كيف يُدافع عن أخيه.
وقد قال فيكتور هوغو: “إذا أردتم أن تنقذوا البؤساء في أوطانكم، فابدؤوا بإنقاذ البؤساء في كل مكان.” لكن يبدو أنّ هوغو لم يتخيّل زمناً تُصنّف فيه المعاناة حسب الرموز البريدية.
وكان كانط قد تحدّث عن “الأمر المطلق”: أن تتصرف على نحو يمكن تعميمه كقانون كوني. أما في منطق هذا الشعار، فالقانون هو: “لا أتحرّك إلا إذا كان الألم محلياً.” وبهذا المنطق، نصبح قِشراً بلا جوهر، ووطنيين بلا نُبل، وأرواحاً جفّفتها الأنانية.
في الحقيقة، هذا الشعار لم يخرج من تازة، بل من الخوف والانتهازية. لأن في تازة، كما في كل بقعة ما زالت فيها روح الإنسان تتنفس، القلوب تنبض لأجل غزة، وتدمع حين تسقط العدالة. ليس الأمر “تازة أو غزة”، بل “تازة وغزة”.
أما من يروّجون لهذا الشعار بنبرة متعالية، وكأنهم “ميكيافيليّو السياسة الصغار”، فهم ببساطة أنانيّون، يتقنون حسابات المصالح ويتجاهلون حسابات الضمير. يريدون تحويل التضامن إلى منافسة. لكن كما قال ألبير كامو: “أنا أتمرّد، إذن نحن موجودون.”
نعم، فلنعتنِ بتازة، ولنرفع شأنها، ولنمنحها ما تستحق. لكن لا تفعلوا ذلك على حساب الصمت أمام الظلم، والسكوت أمام الهمجية، والتواطؤ مع الوحشية. لأن من يُدير بصره عن المأساة، يكون شريكًا غير مباشر في صناعتها. والتاريخ لا يغفر للشركاء.
